الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
125
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
الباطل ، وإذا مدح أحدا مدحه بما فيه ، وأمّا الشّتم فالإمساك عنه واجب ولو كان حقّا فذلك الإمساك هو العدل لأنّ اللّه أمر به . وفي التّعليق بأداة الشّرط في قوله : وَإِذا قُلْتُمْ إشارة إلى أنّ المرء في سعة من السكوت إن خشي قول العدل . وأمّا أن يقول الجور والظّلم والباطل فليس له سبيل إلى ذلك ، والكذب كلّه من القول بغير العدل ، على أنّ من السكوت ما هو واجب . وفي « الموطأ » أنّ رجلا خطب إلى رجل أخته فذكر الأخ أنّها قد كانت أحدثت فبلغ ذلك عمر بن الخطّاب فضربه أو كاد يضربه ثمّ قال : « ما لك وللخبر » . والواو في قوله : وَلَوْ كانَ واو الحال ، ولو وصلية تفيد المبالغة في الحال التي من شأنها أن يظنّ السّامع عدم شمول الحكم إيّاها لاختصاصها من بين بقيّة الأحوال التي يشملها الحكم ، وقد تقدّم بيانها عند قوله تعالى : فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَباً وَلَوِ افْتَدى بِهِ في سورة آل عمران [ 91 ] ، فإنّ حالة قرابة المقول لأجله القول قد تحمل القائل على أن يقول غير العدل ، لنفع قريبه أو مصانعته ، فنبّهوا على وجوب التزام العدل في القول في تلك الحالة ، فالضّمير المستتر في ( كان ) كائد إلى شيء معلوم من الكلام : أي ولو كان الذي تعلّق به القول ذا قربى . والقربى : القرابة ويعلم أنّه ذو قرابة من القائل ، أي إذا قلتم قولا لأجله أو عليه فاعدلوا ولا تقولوا غير الحقّ ، لا لدفع ضرّه بأن تغمصوا الحقّ الذي عليه ، ولا لنفعه بأن تختلقوا له حقّا على غيره أو تبرءوه ممّا صدر منه على غيره ، وقد قال اللّه تعالى في العدل في الشّهادة والقضاء : كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَداءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ [ النساء : 135 ] . وقد جاء طلب الحقّ في القول بصيغة الأمر بالعدل ، دون النّهي عن الظلم أو الباطل : لأنّه قيّده بأداة الشّرط المقتضي لصدور القول : فالقول إذا صدر لا يخلو عن أن يكون حقّا أو باطلا ، والأمر بأن يكون حقّا أوفى بمقصد الشّارع لوجهين : أحدهما : أنّ اللّه يحبّ إظهار الحقّ بالقول ، ففي الأمر بأن يكون عدلا أمر بإظهاره ونهي عن السّكوت بدون موجب . الثّاني : أنّ النّهي عن قول الباطل أو الزّور يصدق بالكلام الموجّه الذي ظاهره ليس بحقّ ، وذلك مذموم إلّا عند الخوف أو الملاينة ، أو فيما لا يرجع إلى إظهار حقّ ، وتلك هي المعاريض التي ورد فيها حديث : « إنّ في